عليخان المدني الشيرازي
42
الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية
فالاسم ما أنبأ عن المسمّى ، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى ، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل ، ثمّ قال لي : تتبعه ، وزد فيه ما وقع لك ، واعلم يا أبا الأسود ، أنّ الأشياء ثلاثة ، ظاهر ومضمر ، وشئ ليس بظاهر ولا مضمر ، وإنّما تتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر . قال أبو الأسود فجمعت منه أشياء ، وعرّضتها عليه ، فكان من ذلك حروف النصب ، فذكرت منها « إنّ وأنّ وليت ولعلّ وكأنّ » ولم أذكر « لكنّ » فقال لي : لم تركتها ، فقلت : لم أحسبها منها ، فقال : بلى هي منها ، فزدها فيها ، انتهى . ثمّ من عناية اللّه سبحانه بهذه اللغة أن قيّض لها في كلّ زمان قوما يبحثون عن حقائق هذا العلم ودقائقه ، حتّى صنّفوا فيه الكتب المعتبرة والرسائل المحرّرة ، وأشرب القلوب محبّة هذا العلم حتى أنّه يتعلّمه من ليس من العرب ، ولا له غرض في إصلاح لغتهم لطفا من اللّه تعالى بهذه اللغة الشريفة ، لئلا تضيع أو تختلّ قواعدها ، فبقيت على مرّ الزمان ، وهي مشيّدة الأركان ، وما أحسن ما أنشده العلّامة أثير الدين أبو حيان لنفسه من قصيدة طويلة يمدح فيها النحو وسيبويه والخليل « 1 » ثم خصّها بمدح ابن الأحمر : « 2 » [ من الطويل ] 4 - هو العلم لا كالعلم شئ تراوده * لقد فاز باغيه وأنجح قاصده « 3 » وما فضّل الإنسان إلا لعلمه * ولا امتاز إلا ثاقب الذهن واقده وقد قصرت أعمارنا وعلومنا * يطول علينا حصرها ونكابده « 4 » وفي كلها خير ولكنّ أصلها * هو النحو فاحذر من جهول يعانده « 5 » وناهيك من علم علىّ مشيّد * مبانيه أكرم بالّذي هو شايده « 6 » وما زال هذا العلم تنميه سادة * جهابذة تختاره وتقاصده « 7 »
--> ( 1 ) - الخليل بن أحمد الفراهيديّ البصريّ صاحب العربيّة والعروض ، وهو أستاذ سيبويه . وله كتاب « العين » . بغية الوعاة ، 1 / 557 . ( 2 ) - إسماعيل بن يوسف الخزرجيّ المعروف بابن الأحمر ، مؤرخ أريب ، من كتبه « نثر الجمان » و . . . مات سنة 807 ه . الأعلام للرزكلي ، 1 / 329 . ( 3 ) - اللغة : تراوده : تطلبه . الباغي : الطالب . ( 4 ) - اللغة : الحصر : الإحصاء . نكابد : نقاسي شدّته . ( 5 ) - اللغة : يعانده : يخالفه . ( 6 ) - اللغة : ناهيك : كافيك . شائده : رافعه . ( 7 ) - اللغة : السادة : جمع السّيّد . الجهابذة : جمع جهبذ أي النّقّاد الخبير بغوامض الأمور .